محمد بن علي الشوكاني

413

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الأكرمين . اعلم أن محبة الله - عز وجل - من أعظم الفرائض المفترضة على العباد كما يدل على ذلك آيات الكتاب المبين ، وأحاديث سيد المرسلين ، وإجماع المسلمين أجمعين ، فمن ذلك قول الله - عز وجل - : } قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله { ( 1 ) . وقد علم أن اتباع رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فرض واجب لا خلاف فيه ، وكانت هذه المحبة لله - سبحانه - أدخل في الفرضية لتعليق الاتباع بها ، وجعله متسببا عنها ، مع ما في ذلك من التهييج للعباد على الاتباع بما هو مطلوب لكل فرد من أفرادهم ، ومقصد من مقاصد عامهم وخاصهم ، فإن دخول العبد في زمرة المحبين لله - عز وجل - هو الذي يتنافس فيه المتنافسون ، ويتسابق إليه المتسابقون ، فإذا سمع السامع أن هذا الاتباع ( 2 ) لرسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - هو صنع من يحب الله ، وعمل من يتصف بذلك سعى إليه وبادر به ، وبالغ في تحصيله بكل ممكن . والحاصل أن في هذا النظم القرآني دلالة بينة على أن اتباع ( 3 ) رسول الله - صلى الله

--> ( 1 ) [ آل عمران : 31 ] ( 2 ) قال ابن كثير في تفسيره ( 2 / 22 ) : هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله ، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر ، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله وأحواله . قال الحسن البصري وغيره من السلف : زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية : } قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله { . ( 3 ) ويعتبر اتباع الرسول صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرض واجب لا خلاف فيه : قال تعالى : } لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا { [ الأحزاب : 21 ] . وقال سبحانه وتعالى : } فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون { [ الأعراف : 158 ] وقال سبحانه وتعالى : } فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما { [ النساء : 65 ] . وقال تعالى : } فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر { [ النساء : 59 ] . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم ، واختلافهم على أنبيائهم " . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - أخرجه مسلم رقم ( 1337 ) . قال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى " قالوا : يا رسول الله ، ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى " . أخرجه البخاري رقم ( 7280 ) .